المحقق البحراني
92
الكشكول
كذلك . فآلى الأمر إلى أنه ( هداه اللّه ) ضمم العرب على صحبتي له إلى مصر ، وكان عنده جماعة من الغرباء مثلي يقرءون عليه فصحبه أكثرهم فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالفاخرة وهي أكبر المدائن كلها ، فأقام بالمسجد الأزهر مدة يدرس فتسامع فضلاء مصر بقدومه فوردوا كلهم لزيارته والانتفاع بعلومه ، فأقام في فاخرة مصر مدة تسعة أشهر ونحن معه على أحسن حال ، وإذا بقافلة قد وردت من الأندلس ومعها رجل معه كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور ويعرف فيه بمرض شديد قد عرض له وإنه يتمنى الاجتماع به قبل الممات ويحثه فيه على عدم التأخير ، فرق الشيخ من كتاب أبيه فبكى وصمم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس ، فعزم بعض التلامذة على صحبته ومن الجملة أنا لأنه ( هداه اللّه ) كان قد أحبني محبة شديدة وحسن إلي المسير معه . فسافرت إلى الأندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أول قرية من الجزيرة المذكورة عرض لي حمى منعتني عن الحركة ، فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رق لي وبكى وقال : يعز علي مفارقتك فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا إليها عشرة دراهم وأمره أن يتعاهدني حتى لا يكون مني أحد الأمرين وإن منّ اللّه علي بالعافية اتبعه إلى بلده ، هكذا عهداني بذلك ( وفقه اللّه لنور الهداية إلى صراط الحق المستقيم ) ثم مضى إلى بلد الأندلس ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيام ، فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدة ما أصابني من الحمى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمى وخرجت ادور في سكة تلك القرية ، فرأيت قفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف والسمن والأمتعة ، فسألت عن حالهم فقيل : إن هؤلاء يجيئون من جهة قريبة من أرض البويرة وهي قريبة من جزائر الرافضة ، فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت إليهم وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم فقيل لي : إن المسافة خمسة وعشرين يوما منها يومان بغير عمارة ولا ماء وبعد ذلك فالقرى متصلة ، فاكتريت معهم من رجل حمار بمبلغ ثلاثة دراهم لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها ، فلما قطعنا تلك المسافة ووصلنا ارضهم العامرة فمشيت راجلا وتنقلت على اختياري من قرية إلى أخرى إلى أن وصلت إلى أول تلك الأماكن فقيل لي : إن جزيرة الروافض قد بقي بينك وبينها ثلاثة أيام ، فمضيت ولم اتأخر فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة ولها أبراج محكمات عاليات شاهقات ، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر ، فدخلت من باب كبير يقال له باب البربر فدرت في سككها اسأل عن مسجد البلد فهديت عليه ودخلت إليه